تتنقّل عائلة خلال العام الذي يلي انفصال الوالدَين، في هذا الفيلم الدرامي الآيسلندي الطريف ذي النزعة السوريالية. أياً يكن ما الذي حصل بين آنا وماغنوس، فقد حدث قبل أن يبدأ فيلم «الحب الذي يبقى». عندما نلتقيهما، يكونان قد انفصلا بالفعل. تعيش آنا (ساغا غاردارسدوتير) في المنزل الريفي الذي كانا يتشاركانه سابقاً، مع أطفالهما الثلاثة: إيدا (إيدا ميكّين هلينسدوتير)، غريمور (غريمور هلينسون) وثورغيلس (ثورغيلس هلينسون)، بالإضافة إلى كلبهما من فصيلة الراعي الآيسلندي، باندا.
ماغنوس (سفيرير غودناسون) صيّاد، ولذلك يغيب لأسابيع في كل مرّة. لكن عندما يكون على اليابسة، يبدو أنّه حاضر دائماً في محيط المنزل. قد يكون الزوجان يقتربان من الـ40، ولم يعودا معاً، لكنّهما كانا حبيبَي المدرسة الثانوية. عائلتاهما تعرفان بعضهما منذ أجيال. هذه الأمور لا تكون بسيطة أبداً.
هلينور بالماسون، كاتب ومخرج «الحب الذي يبقى» (و يشارك أطفاله الحقيقيّون في بطولة أدوار الأطفال في الفيلم)، مولع بالاستعارة البصرية الساخرة، ويُحِبّ إبقاء الجمهور في حالة ترقّب بشأن ما إذا كان ما يرَونه يحدث فعلاً. آيسلندا، موطنه الأصلي، حيث تدور أحداث هذا الفيلم وفيلمه السابق «غودلاند» على حدٍّ سواء، تمتلك تقليداً طويلاً من الفولكلور الذي يتضمّن كائنات أسطورية - الجان والأقزام وما شابه. شيء من ذلك السحر المشاكس يلوح عند الأطراف، مع أنّ شخصيات مثل آنا وماغنوس وأطفالهما (وباندا) حقيقية جداً.
يتتبّع «الحب الذي يبقى» العائلة على امتداد عام تقريباً، فيما تتبدّل الفصول ويحاولون فهم معنى أن يظلوا عائلة الآن. معظم ما نراه يوميّ اعتيادي. يتناولون العشاء معاً أحياناً. يذهبون في نزهة قرب الماء. يتسلقون تلالاً صخرية. يمكث ماغنوس أحياناً طوال الليل - أحياناً على الأريكة وأحياناً في سرير آنا، مع أنّ آنا لا تريد «إرباك» الأطفال. آنا فنانة، ويتكوّن عملها الأحدث من صفائح معدنية تُقصّ إلى أشكال هندسية عملاقة، ثم تُوضع على قماش في الهواء الطلق، فيمكن للعوامل الطبيعية أن تُتلف المادة ببطء وتترك أثراً.
الأطفال، في هذه الأثناء، يتحدّثون عن والدَيهم في ما بينهم عندما يكونون وحدهم، متأمّلين طبيعة علاقتهما. وكما يحدث غالباً، فهم أكثر نفاذ بصيرة ممّا يظن والداهما. إيدا، التي تفكّر في مستقبلها، قرّرت أنّها لا تريد الدخول في علاقة جدّية في سن مبكرة كما فعل والداها - «كانا في الـ17 أو نحو ذلك» - حتى «لا تلوم أحداً» على الخيارات التي ستتخذها في حياتها. كما يبني الأطفال ببطء ما يبدو كفزّاعة على عمود عند أطراف ملكيّتهم. يتبيّن لاحقاً أنّه فارس سيستخدمونه للتدرّب على الرمي بالقوس والسهم. وقد تكون هذه أيضاً استعارة.
ينزلق بالماسون (الذي يتولّى أيضاً التصوير السينمائي) أحياناً إلى تأمّلات بصرية، مع لقطات مقرّبة لأيدٍ تقطع الفطر وتفصله أو تجمع التوت. هذه لقطات شعرية وأحياناً غريبة، تبدأ أحياناً في العالم الواقعي ثم تَتيه إلى مكان آخر. خلال نزهة، تخطو آنا فوق ماغنوس فيحدّق صعوداً تحت تنّورتها، ما يطلق لديه خيالاً مثيراً عن الضياع هناك - وهو، كما تشعر، ليس خيالاً جديداً عليه.
يتكشف الفيلم من دون رهانات سردية واضحة: القصة ببساطة هي أنّ الزمن يمضي، وهو في الحقيقة ما يحدث في الحياة الواقعية. لذلك يُحسب لبالماسون - ولأداء الممثلين - أنّك ترغب في مواصلة متابعة حياة هؤلاء الأشخاص. يعود جزء كبير من ذلك إلى الجمال البصري، لكن ثمة أيضاً السوريالية التي تبدأ بالتراكم مع مرور الوقت، وتزايد توتّر علاقة آنا وماغنوس. الأطفال أكثر استجابة لأسلوبها التربوي السلس، بينما يحاول هو فرض نفسه عليهم ويشعر بالإحباط لأنّهم لا يطيعونه. آنا تزداد انزعاجاً من محاولاته المبيت في المنزل؛ فما جدوى الانفصال إذا كان لن يمضي قدماً؟
هذه ليست الحياة التي تخيّلها ماغنوس لنفسه، ويبدأ شيء من ذلك بالظهور في أحلامه. أم هل هي أحلام؟ بحلول نهاية الفيلم، لا يعود الأمر واضحاً، ويأتي الأثر تأمّلياً ومضحكاً في آن. هل اختفى الحب الذي كان بين آنا وماغنوس؟ هل غيّر شكله؟ وهل سيعرفان ذلك حقاً يوماً ما؟
المناظر الطبيعية التي تعيش فيها هذه العائلة حياتها المنزلية برّية وجميلة، ويشير بالماسون إلى تبدّل الفصول عبر إظهار كل هذا الجمال: الثلج والجليد، الشمس والخضرة، سماء خلّابة، مياه هادئة. يمكن للطقس أن يكون مبهجاً وقاسياً في آن، دافئاً وبارداً، وهذا ينعكس في الشخصيات. يمكن للبالغين أن يكونوا حنونين وحادّين. يمكنهم أن يكونوا مرحين ومُضجرين. لديهم عمر كامل من الذكريات المشتركة، لكنّهم أحياناً يتذكّرون لماذا لم يعودوا معاً. «كل شيء أسهل وأكثر متعة عندما لا تكون موجوداً»، تقول آنا لماغنوس في لحظة ضيق. لكن كلاهما يعلمان أنّها لا تقصد ذلك. ليس دائماً، على أي حال.